كتاب" القضية الموريسكية من وجهة نظر أخرى" تأليف ماركيث بيانويبا، ترجمة عائشة سويلم، مراجعة وتقديم جمال عبد الرحمن (2)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كتاب" القضية الموريسكية من وجهة نظر أخرى" تأليف ماركيث بيانويبا، ترجمة عائشة سويلم، مراجعة وتقديم جمال عبد الرحمن (2)

مُساهمة  Gamal Abdel Rahman في الجمعة أبريل 17, 2009 10:23 am

الأسطورة الثانية: الموريسكى غير القابل للاندماج
"الأسطورة" الثانية التى يتحدث عنها بيانويبا خاصة بتخلى الموريسكيين عن إسلامهم وتحولهم إلى المسيحية ويقول: " الحق أن كل موريسكى كان يحمل داخله رغبة فى الاندماج " وهذه الجملة فى حاجة إلى توضيح، فلو كان يقصد أن الموريسكيين كانوا على استعداد للتخلى عن الإسلام فليس لدينا شك فى أنه قد جانبه الصواب ، ونرى أن هناك فرقا بين التخلى عن بعض عادات الثقافة الإسلامية وتبنى عادات المجتمع ذى الأغلبية المسيحية, وبين الكفر بالعقيدة الإسلامية والدخول فى المسيحية. نعلم أن المسلمين الإسبان قد تخلوا عن زيهم التقليدى وعن الحمامات وعن العمل يوم الأحد، لكن هذا كله لا يعنى أنهم تخلوا عن العقيدة الإسلامية. لا شك أن انعزال مسلمى إسبانيا عن إخوانهم وعن الفقهاء فى العالم الاسلامى قد أدى إلى إضعاف معلوماتهم, لكنه لم يؤد إلى تخليهم عن الإسلام ولا إلى اعتناقهم المسيحية. إذا كان بيانويبا يطلق مصطلح "اندماج" على تبنى عادات مجتمع الأغلبية المسيحية فنحن نتفق معه تماما إذ نرى أن المسلم الأندلسى كان يرتدى الزى الغالب فى إسبانيا، و كان يعمل يوم الجمعة ويتوقف عن العمل يوم الأحد....الخ.أما إذا كان المقصود من الاندماج هو الدخول فى المسيحية فلا نرى ان ذلك قد حدث إلا على مستوى فردى لا يذكر. إن أسطورة الموريسكى غير المندمج تدحضها أخبار عن موريسكيين أحبو وطنهم وهويتهم الإسبانية حتى بعد أن أجبروا على الهجرة.

الأسطورة الثالثة: الموريسكى المتآمر مع الأتراك ضد وطنه
يتعرض بيانويبا لأسطورة أخرى هى أسطورة تآمر الموريسكيين مع الأتراك ضد إسبانيا فيؤكد أن المساعدة التركية للموريسكيين كانت مستحيلة من الناحية العملية وأن السلطات الإسبانية كانت تعلم بتلك الاستحالة لكنها استغلت الموضوع لتخويف الناس من الموريسكيين (هل يعيد التاريخ نفسه حين يستخدم بعض الساسة الغربيين موضوع الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل لإسكات معارضيهم فى الداخل؟)
يبدى بيانويبا أسفه لأن أسطورة التآمر كانت من صنع ريبيرا المؤيد لطرد الموريسكيين ولأن المؤرخين اللاحقين قد صدقوا الدعاية دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التحقق من صحتها.
إذن فقد كانت هناك أسباب أخرى خفية أدت إلى أن تتخذ السلطات الإسبانية قرارها بطرد الموريسكيين. إن إسبانيا فى القرن السادس عشر–ببساطة- قد أسكرتها نشوة القوة العسكرية الهائلة فراحت تتصرف على هذا الأساس وقررت التخلص من المسلمين. هل يعيد التاريخ نفسه وتقرر دولة قوية حاليا الهيمنة الثقافية على العالم ومحو هوية شعوب أخرى؟
بعد ذلك يعيد بيانويبا قراءة وثيقتين قديمتين. "الوثيقة" الأولى هى كتاب ميغيل دى لونا "القصة الحقيقية للملك رودريغو". اكتفى الدارسون بالقول إن لونا قد زوّر التاريخ وهو يقص حكاية الملك القوطى رودريغو، بل إن ناقدا بحجم بيداال رماه بالجنون، أما بيانويبا فيرى أن الموريسكى لونا حين خالف التاريخ خالفه عن عمد سعيا إلى تحقيق هدف نبيل. إنه أراد أن يستمع الناس إلى رأى الموريسكيين فى مجريات الأحداث.
يقول لونا إنه نحى الخرافات جانبا واعتمد فى كتابة تاريخ رودريغو على مخطوطة باللغة العربية حررت فى بخارى عام 763 ، وكأنه يريد أن يقول إن اللغة العربية مهمة جدا للحفظ على التراث الإسبانى.
يقدم لونا الماضى القوطى لإسبانيا وكأنه كابوس مظلم جاء الفتح الإسلامي للقضاء عليه.
المهم هو أن لونا حين يحكى قصة الملك رودريغو يهاجم -ضمنا- السياسة التى اتبعتها السلطات المسيحية، فهو يبرز تسامح المسلمين لإبراز تعصب المسيحيين.
وحين يروى لونا حكايته فإنه يعكس تاريخ إسبانيا الحديث، ومغزى القصة هو مدح العرب. صورة يعقوب المنصور التى يعرضها هى مثال نموذجى لكل أمراء العالم، وهى صورة تخالف رودريغو ، فهو حاكم عادل وحكيم ورمز للعلم والثقافة ، أى أن المنصور كان على النقيض من الملوك الإسبان فى القرن السادس عشر. فى ذلك الوقت كان على الإنسان أن يعمل (أى أن قيمة الإنسان كانت تكمن فى عمله لا فى أصله، وهذا يتناقض مع مبادئ المسيحيين القدامى)
إذن لم يكن هدف لونا هو كتابة قصة الملك رودريغو ، بل كان يشغله مصير الشعب الموريسكى الذى سيتأثر حتما بأى قرارات يصدرها الملك الإسبانى.
إذا كان المسلمون الفاتحون لإسبانيا قد أقروا تمتع المهزومين بحرية العقيدة فإنهم بذلك وضعوا حلا عمليا يمكن أن يطبقه ملوك إسبانيا المسيحيون.
يخلص كتاب لونا إلى أن العرب قد أرسلتهم العناية الإلهية إلى إسبانيا لتخليصها من ظلم القوط ولإقرار حرية العبادة. إن الدين الإسلامى ليس شيطانيا بل يدعو إلى الأخلاق القويمة والفضيلة، ويمكن للإسلام والمسيحية أن يتعايشا معا. إن لونا يدعو إلى أن يكون العمل هو معيار الشرف. ويرى بيانويبا أنه ليس من الصدفة أن يتم طبع الكتاب عام 1609 فى مدن إسبانية كان الموريسكيون يشكلون فيها أهمية قصوى.
إن كتاب لونا قد خالف التاريخ بشكل واضح لكى يجعل صوت الموريسكى مسموعا لدى الآخرين. إنه رد فعل للتعتيم الذى مارسته السلطات المسيحية الإسبانية ضد كل من يحاول الاختلاف معها. أن لونا بكل تأكيد ليس مجرد مزور أو -كما يقول بيدال- مجنون، بل هو رجل صاحب قضية.
الوثيقة الثانية التى يتناولها بيانويبا بالتحليل ويعيد قراءتها هى الموعظة الشهيرة التى ألقاها البطريرك ريبيرا فى كاتدرائية فالنسيا.
ان كلمات ريبيرا فى موعظته التى ألقاها فى 27سبتمبر 1609- اى بعد خمسة ايام فقط من نشر قرار الطرد – تنم عن عداء المستمعين إليه ومحاولته إسكات التمرد.
يحاول بيانويبا أن يرسم صورة للبطريرك فيقول إنه لم يكن متسامحا قط مع الموريسكيين وإن تصرفاته كانت تعكس أحيانا اتجاه السلطة، ومن ثم كانت شخصيته معقدة، فنحن لا ندرى متى كان يتصرف عن اقتناع ومتى كان يتصرف كمنفذ لسياسة عليا.
إن البطريرك فى موعظته التى ألقاها بمناسبة طرد الموريسكيين كان كمن يعتذر عن جرم ارتكبه، وكان يحاول أن يهدئ من روع النبلاء المسيحيين الذين حزنوا لخروج الموريسكيين. إن حديث ريبيرا المتواصل عن عدم فقد شئ يدل بوضوح على أن الاتجاه العام فى فالنسيا كان يشعر بخطورة فقدان العنصر الموريسكى وأن ريبيرا كان بوقا للدعاية يحاول أن يسكت المعارضة.
ذكر ريبيرا أن الأتراك كانوا على وشك إرسال قوة عسكرية لاحتلال إسبانيا بمساعدة الموريسكيين. ذكر ذلك من باب إعداد الناس للموافقة على قرار الطرد ، لكنه حين ذكر ذلك كان يعلم أنها أسطورة لا تستند إلى واقع ، فكل من الأتراك والإسبان على السواء كانوا يعلمون أن هذه المهمة صعبة جدا من الناحية العملية.
تقول السلطات الإسبانية إن قرار الطرد تم تحت ضغط ظروف دولية، ويؤكد بيانويبا أن ذلك الادعاء لم يكن سوى "أكذوبة اخترعتها الجهات الرسمية" لتبرير إجراء أرادت أن تتخذه، بل إن ريبيرا نفسه كان يفخر بأن الموريسكيين ليس فى مقدورهم عمل شئ يضر بمصلحة إسبانيا.
كان ريبيرا يقول -لتهدئة السادة- إن الفوز بالشرف أفضل من متاع الدنيا، وعليه فإن تحمل خسارة مادية تنتج عن طرد الموريسكيين أفضل من خسارة الدين، ثم يمضى بعد ذلك قائلا إن الأراضى الزراعية لم تعد تنتج ثمارا نظرا لوجود الملحدين فى إسبانيا، أما بعد ذلك فسوف يكون الخير وفيرا، واستشهد بقصص أنبياء العهد القديم فى هذا الصدد.
يقول بيانويبا إن موعظة البطريرك كانت درسا فى الدعاية وإننا لم نعرف سوى رد فعل السلطات الرسمية التى رحبت بها، لكن لابد أنه كانت هناك شخصيات عاقلة لم توافق علي ما جاء بها.
يرى بيانويبا أن الموعظة تدل على أن الفالنسيين لم يكونوا واثقين فى المستقبل الذى ينتظرهم وأن ريبيرا كان يستخدم البيانات المغلوطة والسفسطة فى مواجهة قضايا جوهرية." كان بمقدور أى شخص متأمل أن يناقض أقوال ريبيرا".
كان ريبيرا فى البداية من أنصار طرد الموريسكيين، لكنه كان على وعى بالأخطار التى ستترتب على هذا الإجراء، ومن ثم كانت تعتمل فى داخله صرا عات شديدة. ربما كان الصراع الداخلى هو الذى جعل ريبيرا يطلب أن يطبق قرار الطرد على موريسكيى قشتاله أولا، وهو مطلب أدهش نائب الملك. الغريب أن ريبيرا -المناصر لعملية الطرد- راح يعدد الأسباب التى تدفعه إلى الاعتراض على طرد موريسكيى فالنسيا. إن الاضطراب الشديد الذى كان يعتمل داخل ريبيرا هو الذى يمكن أن يفسر هذا الموقف الأخير والذى يتعارض تماما مع ما كان يدعو إليه من قبل. فى النهاية طلب نائب الملك من ريبيرا أن يعلن موقفه كتابة فى رسالة يوجهها إلى الملك، وقد كتب ريبيرا رسالة بالفعل تحمل الموافقة وتضمر الندم:"أعتقد أن جلالتكم سوف تأسفون على الدمار الذى ستعانى منه المملكة.....ولن يسوءني الضيق الذى سوف أمرّ به، لأن أى تغيير يحدث لى من أجل خدمتكم وخدمة الرب سيكون لى مصدر سعادة ورضا".
كانت موافقة تصحبها المرارة إذن، وقد كتب ريبيرا فى نفس الوقت خطابا موازيا إلى سكرتير (الملك؟) يعلن فيه أن موريسكيى فالنسيا متواضعون وأفضل من غيرهم.إن هذا التناقض فى موقف ريبيرا قد أدهش رجال الدولة.
يتحدث بيانويبا عن ازدواجية ريبيرا، فعلى الرغم من معارضته لقرار الطرد إلا أنه وضع نفسه فى خدمة تنفيذه. كان يقلقه أيضا الأثر السئ الذى سيخلفه طرد الموريسكيين على طبقة السادة المسيحيين. كان قبل ذلك يرى أن السادة مستبدون وأنهم مسئولون عن عدم التزام الموريسكيين بالمسيحية.
يتحدث بيانويبا عن الخطة التى اتبعتها السلطات الإسبانية لتنفيذ عملية طرد الموريسكيين من فالنسيا، ويذكر أن الخطة كانت تضع فى الاعتبار أن الموريسكيين قد يرفضون ركوب السفن وأن سادتهم قد يساندونهم ويدافعون عنهم بالسلاح. لذلك فقد أرسلت السلطات قوات احتلت فالنسيا قبل الإعلان عن قرار الطرد، بحيث لم يكن فى مقدور أحد أن يفعل شيئا لمعارضة الإجراء. "هكذا فقط كان طرد موريسكيى فالنسيا ممكنا". إن بيانويبا يذكر أن القوات التى أرسلتها السلطات الإسبانية إلى فالنسيا كانت لها ضرورة لمواجهة الأتراك، ولنا أن نفهم أن السلطات ما كانت لتسحب قوات من مواجهة الأتراك وترسلها إلى فالنسيا لولا أن معارضة الفالنسيين للقرار كانت شديدة إلى أقصى حد.

Gamal Abdel Rahman
Admin

المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 23/09/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://estudiosmoriscos.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى