كتاب" القضية الموريسكية من وجهة نظر أخرى" تأليف ماركيث بيانويبا، ترجمة عائشة سويلم، مراجعة وتقديم جمال عبد الرحمن (1)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كتاب" القضية الموريسكية من وجهة نظر أخرى" تأليف ماركيث بيانويبا، ترجمة عائشة سويلم، مراجعة وتقديم جمال عبد الرحمن (1)

مُساهمة  Gamal Abdel Rahman في الجمعة أبريل 17, 2009 10:15 am

القضية الموريسكية من وجهة نظر أخرى
مقدمة المراجع

كنت فى مهمة عمل فى إسبانيا حين وقعت أحداث الحادى عشر من سبتمبر فى الولايات المتحدة الأمريكية. ومنذ اللحظة الأولى للحدث أخذت وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة –التى صدرت صباح اليوم التالى- تكيل الاتهامات للمسلمين والعرب، وتصفهم بالإرهابيين والمجرمين. أصدرت وسائل الإعلام الإسبانية حكمها بالإدانة دون أن تتروى، ولم تفرق بين مسلم اتبع تعاليم دينه ولم يقتل المدنيين، وبين مسلم ضاق ذرعا بالظلم الواقع على بلاده وقرر الانتقام. المهم أن الجو العام فى إسبانيا كان معاديا لكل ما هو عربى ولكل ما هم مسلم. فجأة –وفى اليوم الرابع تقريبا- خرج علينا كاتب يسبح ضد التيار ويدعو قومه إلى التريث وإلى عدم إصدار الحكم إلا بعد التأكد من هوية الجانى......... كان هذا الكاتب هو خوان غويتيسولو وكان –بشكل عام- يقدم "وجهة النظر الأخرى". وللحق نقول إنها لم تكن المرة الأولى التى يدافع فيها غويتيسولو عن حق عربى، فقد كتب عدة مقالات وضع فيها الأمر فى نصابه حين رأى إجحافا تتعرض له ثقافتنا.
لهذا كان أمرا طبيعيا أن يكون غويتيسولو نفسه هو الذى يكتب مقدمة هذا الكتاب الذى بين أيدينا الآن. والذى يعرض "القضية الموريسكية من وجهة نظر أخرى".
الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات كتبها المؤلف فى مناسبات مختلفة، وعندما جمعها فى كتاب لم يشأ أن يصحح سوى الأخطاء المطبعية. لذلك سيجد القارئ فكرة ما معروضة فى أكثر من مكان.
ندخل الآن فى صميم موضوع الكتاب فنقول إن المؤلف يريد ببساطة أن يتحدث الموريسكيون(1) عن أنفسهم بعد أن تحدثت عنهم السلطات الرسمية المسيحية بحق وبدون حق. يريد كذلك أن يعرض مواقف أهمل المؤرخون الإسبان عرضها من باب التحيز. يريد –فى النهاية- أن يقدم قراءة أخرى لبعض الوثائق الإسبانية القديمة.
كان رأينا دائما أن الموريسكيين لا يقل حقهم فى وطنهم الإسبانى عن مواطنيهم من المسيحيين، ومن ثم فنحن نفسر ما حدث فى القرن السادس عشر على أنه حرب أهلية بين أبناء وطن واحد. ومن مدعاة ابتهاجنا أن نرى من المفكرين الإسبان من يتحدث نفس اللغة ويقر بحق المسلم الإسبانى فى وطنه ويعترف بأن طرد الموريسكيين كان عملا منافيا للعدل وأن رجال السياسة الإسبان آنذاك قد جانبهم الصواب حين قرروا أن تكون للوطن الإسبانى عقيدة واحدة هى الكاثوليكية وطردوا المسلمين واليهود. ويشير الكتاب إلى أن بدرو دى فالنسيا فى أوائل القرن السابع عشر نادى بفكرة حق المسلمين فى الإقامة فى وطنهم الإسبانى.

لقد تعرض الموريسكيون للظلم فى حياتهم وحتى بعد مماتهم، والكتاب الذى نقدم له يعرض جوانب هذا الظلم ويقوم بعملية قراءة جديدة للوثائق الإسبانية التى تتعلق بهذا الموضوع.
تاريخ الموريسكيين يمكن أن نتعرف عليه من خلال ما كتبه الموريسكيون أنفسهم وما كتبه المؤرخون عنهم. وكانت كتابات المؤرخين الإسبان تتراوح بين التأييد والمعارضة، لكن الدراسات التى عارضت طرد الموريسكيين قد اختفت أو أخفيت. المهم أنها لم تصلنا ولا نعلم بوجودها إلا من خلال الحديث عنها فى كتب أخرى، فكل ما وصلنا منها عبارة عن إشارات إليها وبعض ملخصات لها.
يتناول بيانويبا مشكلة تحول دون تقديم المشكلة الموريسكية بشكل موضوعى, وهى اعتماد الدراسات التأريخية على المصادر الرسمية دون غيرها ( مجلس الدولة ومذكرات البطريرك وآراء مؤيدى الطرد)، والمصادر الرسمية تلوثت لأنها عملت على تفسير ما حدث، لا على رواية موضوعية للأحداث. لم يكن هدف الدراسات "التأريخية" هو تحرى الموضوعية، بل التأثير على الرأى العام الإسبانى وإقناعه بقرار الطرد
من ناحية أخرى كان معظم المؤلفين من رجال الدين المسيحى، ممن جبلوا على اعتلاء المنابر وعلى المجابهات الجدلية. كانت تلك الدراسات تلخص قضية الموريسكيين على أنهم أشخاص عرضت عليهم المسيحية فلم يقبلوها رغم صبر السلطات الكنسية، وأنهم خونة للوطن وأن البلاد سيعمّها الخير الوفير فى حالة طردهم منها.
يبرز بيانويبا نقطة ضعف شديدة فى كتابات مؤيدى الطرد: إنهم يهاجمون خصما لن تتاح له فرصة الدفاع عن نفسه مطلقا. يقول:"رغم هذا الحديث من جانب واحد إلا أن الكتابات المؤيدة للطرد تدين نفسها بنفسها، فهى تعى انتصار إسبانيا، لكنها تنطوى على حزن عميق". يقول بيانويبا إن الكتب التى دافعت عن قرار طرد الموريسكيين أخفت حالة الحزن العظيم الذى سببته عملية الطرد فى أنحاء إسبانيا.
وكانت عناوين الكتب فى حد ذاتها تبرر عملية الطرد، ويرى بيانويبا أن الهدف من وراء تلك الكتب كان هو الدفاع عن عملية الطرد فى مواجهة رأى عام مناهض لها.
كان من أشد المدافعين عن الطرد كل من أثنار كاردونا والراهب خايمى بليدا الذى حاك الدسائس فى روما وبين طبقات المجتمع الإسبانى – بالتعاون مع دوق ليرما- من أجل طرد الموريسكيين. تكمن أهمية كتاب بليدا فى أن الذرائع التى يسوقها كانت هى نفسها التى رددها المؤلفون المؤيدون لعملية الطرد فيما بعد. هذا معناه أن المدافعين عن عملية الطرد لم يكن لهم رأى مستقل ولم تكن لديهم أسباب يعرضونها، بل كانوا يرددون ما يقوله غيرهم.
على أن هذه الكتب المغرضة لا تخلو من فائدة، فرغم "التزييف والتملق والكذب الموجود فى الكتابات المؤيدة لعملية الطرد" إلا أن هذه الكتابات تقدم لنا معلومات مفيدة ليست موجودة فى مصادر أخرى، مثل وصف الحالة النفسية التى صاحبت عملية الطرد.
ثم يعرض بيانويبا ما كتبه مؤرخو القرن التاسع عشر فى إسبانيا حول الموريسكيين ويناقش آراءهم.
اعتمدت دراسات القرن التاسع عشر على قاعدة وثائقية كانت تفتقر إليها كتابات القرن السابع عشر. رغم ذلك، ورغم ادعاء الموضوعية، فإن كتابات القرن التاسع عشر لم تستطع سوى مرات قليلة أن تتجاوز الحصار المفروض حول القضية. إن الأخطاء التى وقع فيها مفكرو القرن التاسع عشر بدورهم ترجع إلى اعتمادهم على الوثائق الحكومية فقط، والتى تؤكد أن طرد الموريسكيين كان ضرورة حتمية.
يتحدث دانفيلا عن طرد الموريسكيين على أنه كان مأساة لإسبانيا، لكنه ينفى أن يكون ازدهار إسبانيا السابق بفضلهم، ويتساءل: لو كان الموريسكيون من العمال المهرة، فلماذا لم تزدهر بلاد شمال إفريقيا بعد لجوئهم إليها؟
يقول بيانويبا أن دانفيلا لم يتورع عن حذف فقرة فى رسالة بعث بها أسقف سيغوربى إلى الملك عام 1587 وهى تقترح نفى الموريسكيين إلى سواحل تيرانوبا الباردة وإخصاء " الذكور البالغين والنساء والأطفال". الغريب فى الأمر أن برونات اكتشف الحذف، لكنه فسره على أنه خطأ غير مقصود ارتكبه من قام بنسخ أعمال دانفيلا! ومن المناسب هنا أن نذكر أن المذكرة الشهيرة التى كتبها نونييث مولاى دفاعا عن الموريسكيين قد تعرضت لحذف بعض فقراتها كما يشير خوليو كارو باروخا (2)
ينتقل بيانويبا إلى بيلايو فيذكر أنه كان من الموافقين على عملية الطرد، وينتقد فيه "قلة التأصيل عنده"، فهو لا يهتم بالوثائق ولا يرجع إلا إلى كتابات المؤيدين للطرد. يقول بيانويبا إن أهم إضافة لبيلايو هى أكذوبة مفادها أن طرد الموريسكيين كان تنفيذا إجباريا لقانون تاريخى.(3)
أما برونات إى باراتشينا –كما يشير بيانويبا- فيعيبه أنه كان يكره كل ما هو مسلم، وأنه كان يعمل بناء على طلب مدرسة كاثوليكية أنشأها ريبيرا.(4)
يقول بيانويبا إن كتابات القرن التاسع عشر سيطرت عليها رغبة قوية فى تبرير ما حدث للموريسكيين، ويفهم بيانويبا ذلك على أنه كان نوعا من الندم على ذنب لم يعترف الإسبان به
يذكر بيانويبا أن القرن التاسع عشر فى مجمله كان استمرارا لتيار كراهية الإسلام، وأن الصوت الوحيد المعارض لذلك كان صوت إدواردو سيابيدرا فى خطاب التحاقه بأكاديمية التاريخ الملكية. كان خطاب سيابيدرا يشير إلى جوانب إيجابية عند الموريسكيين، لكن سيابيدرا عورض فى نفس جلسة الاحتفال حين خالف كانوباس ديل كاستيو أعراف الاحتفالات وألقى خطبة حادة أشار فيها إلى أن اجتثاث الشعب الموريسكى كان ضرورة حتمية " على الرغم من أدبه الأعجمى وعاداته الإسبانية". ( 2) بل إن كانوباس ديل كاستيو لم يتورع عن تزييف معلومة تاريخية مهمة بشكل متعمد (ملاحظة رقم 3 فى الفصل)


من ناحية أخرى ليس من الممكن مقارنة المصادر الرسمية بمصادر أخرى، فالمصادر الأخرى هى المخطوطات العربية و الأعجمية، وكانت هناك حرب ضروس ضد تلك المخطوطات تمارسها السلطات الرسمية. من ناحية أخرى كان المؤرخون الإسبان يعتبرون كل ما هو عربى همجيا، وكان ذلك خطأ مخجلا.
ينتقل بيانويبا بعد ذلك إلى عرض"ثوابت" الرؤية التأريخية للقضية الموريسكية ولا يتردد فى وصفها بالأساطير. انه يعرضها واحدة تلو الأخرى ويناقشها ويفند الأسس التى بنيت عليها.

الأسطورة الأولى: الإجماع
يتحدث التأريخ الموريسكى عن "إجماع " الشعب الإسبانى فى كراهيته للموريسكيين، ويذكر بيانويبا ان الحديث عن الإجماع ما هو إلا أكذوبة لأن الكتابات الكثيرة المؤيدة للطرد لم تكن سوى جدل معارض لرأى مخالف واسع الانتشار.
ذكر أثنار كاردونا أنه وضع كتابه للرد على شكوك "بعض الناس البسطاء" حول عدالة قضية الطرد وإلحاق تهمة الكفر بالموريسكيين، ويقول بيانويبا إن المتشككين لم يكونوا من عوام الناس، بل كانوا "رجال دين مهمين".
إن بليدا نفسه –كما يقول بيانويبا- يتحدث عن سنوات عديدة قضاها فى صراع ضد من عارضوا عملية الطرد، كما أن غوادالاخارا يؤكد أنه لم يحدث أن نصح أى مجلس من المجالس المنعقدة بطرد الموريسكيين.
من ناحية أخرى كان النبلاء يحاولون بأى ثمن أن يبقى الموريسكيون فى إسبانيا، ويقول بليدا نفسه إن السادة "كانوا يحبون الموريسكيين كحبهم لأنفسهم"
ثم إن الكنيسة رفضت إصدار بيان رسمى تؤيد فيه طرد الموريسكيين, لأن إصدارها بيان هكذا يعنى ببساطة أنها فشلت فى جهودها من اجل تنصير المسلمين, ولم يؤيد بابا روما طرد المسلمين. إزاء كل ذلك صدر قرار الطرد كإجراء حكومى.
إذن فقد كذب المؤيدون للطرد, فلم تكن الكنيسة الرسمية ولا النبلاء ولا عامة الشعب يؤيدون طرد الموريسكيين. لم يكن هناك "إجماع:" بل سيطرة إعلامية لرأى بعض رجال الدين المشتغلين بالسياسة وإسكات الأصوات المعارضة.

Gamal Abdel Rahman
Admin

المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 23/09/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://estudiosmoriscos.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى