كتاب" المهاجرون الأندلسيون" تأليف مرثيديس غارثيا أرينال، ترجمة محمود فكرى، مراجعة وتقديم جمال عبد الرحمن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كتاب" المهاجرون الأندلسيون" تأليف مرثيديس غارثيا أرينال، ترجمة محمود فكرى، مراجعة وتقديم جمال عبد الرحمن

مُساهمة  Gamal Abdel Rahman في الجمعة أبريل 17, 2009 8:59 am

لدولة الأندلس مكانة عظيمة فى نفوس أبناء الحضارة العربية الإسلامية، فهى ترمز إلى عصر ازدهار حضارتنا وتفوقها ، وإلى موقعنا كأصحاب فضل على أوربا وغيرها، أو- على الأقل- كمساهمين بشكل أو بآخر فى تقدم الإنسانية.

البعض يتحدث عن "الفردوس المفقود"، والبعض الآخر يتذكر ضياع الأندلس كلما سقطت قلعة عربية. يتحدث المؤرخون العرب –وكثير من الأوربيين- عن الأندلس كنموذج للتقدم والرقى والتعايش بين مواطنين يدينون بأديان مختلفة، كل ذلك فى انسجام تام.

لكن الكتاب الذى بين أيدينا يقدم رؤية أخرى للأندلس، إذ ترى المؤلفة أن الحديث عن تقدم الأندلس وتعايش أبنائه فى سلام لا يعدو كونه "أسطورة" من وحى خيال المؤلفين. ليس صحيحا –من وجهة نظر المؤلفة- أن المسيحيين واليهود كانوا راضين بالعيش تحت الحكم الإسلامى "المتسامح"، بل ترى أن أبناء الديانتين تعرضوا لتمييز، إن لم يكن اضطهادا.

لكى نفهم وضع الكتاب الذى نقدم له ينبغى أن نضع فى الاعتبار أنه يشكل جزءا من سلسلة تضم ثلاثة كتب: الكتابان الآخران هما "العلوم والتبادل الثقافى فى الأندلس" لماريبيل فييرو، و "الأندلس والأندلسيون" لمانويلا مارين. وقد نبهت المؤلفة إلى أن هذا الكتاب لا ينبغى أن يقرأ بمعزل عن الكتابين الآخرين (هل نطمع فى أن تتسع إصدارات المجلس الأعلى للثقافة لنشر الكتابين الآخرين؟)
وإلى أن يرى المجلس رأيه فى ترجمة الكتابين نتحدث بكثير من الإيجاز عنهما
كتاب "العلوم والتبادل الثقافى" فى الأندلس" يتحدث عن العلوم الأندلسية فى إطار أندلسى بحت، أى بمعزل عن أوربا، ويخلص إلى أن الأندلسيين لم يطوروا علومهم بهدف تصديرها إلى أوربا، بل كان اهتمامهم منصبا على أنفسهم أولا ثم على المسلمين فى الشرق

كتاب "الأندلس والأندلسيون" يتحدث عن تاريخ الفترة الأندلسية من حيث التطورات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية. تحدد المؤلفة صفة "الأندلسى" وعلاقة أهل الأندلس بالمسلمين فى حوض البحر المتوسط، ثم تحدد "الأساطير" التى نشأت حول الأندلس (إذن فإن الحديث عن "أساطير أندلسية" لا يقتصر على باحث واحد، بل نرى أنه يمثل اتجاها، وإن كان أنصاره قلة حتى الآن)

هناك أمر آخر ينبغى أن نضعه فى اعتبارنا عند قراءة هذا الكتاب. فى عالمنا العربى لا يرى الناس فى الأندلس إلا الصورة الوردية، ولعل كتابا مثل هذا الذى نقدم له يصدم تصورات الكثيرين. أما القارئ الإسبانى فهو مهيئ لقراءته، ذلك لأنه قرأ فى كتابات بعض المؤلفين وجهة نظر أخرى تتحدث عن الأندلس كمجرد "أسطورة" أراد المؤلفون بناءها. تأمل مثلا كتابات المستعرب الإسبانى سيمونيت فى القرن التاسع عشر(1) ، وتأمل وجهة نظر سانشيث ألبورنوث فى مناظراته مع أميريكو كاسترو، ثم تأمل –أخيرا- كتابا يوحى عنوانه بأن ما هو "أندلسى" يتعارض مع ما هو "إسبانى". هذا الكتاب الأخير يقول ببساطة إنه لم يعد هناك تراث أندلسى فى إسبانيا، ويبنى رأيه على أساس أن مسلمى غرناطة –وهم حملة التراث الأندلسى الإسلامى- قد تم تهجيرهم من الجنوب وإحلال مسيحيى الشمال محلهم، وعليه فإن عادات أهل غرناطة اليوم لا تمت للمسلمين بصلة، وليست سوى عادات أهل الشمال.

نستطيع أن نؤكد أن هذا الطرح لا يصمد كثيرا أمام نتائج الأبحاث التى أجراها مؤلفون إسبان. انظر مثلا خوليو كارو باروخا الذى خصص فصلا كاملا للحديث عن موريسكيى مملكة غرناطة، وكيف أن كثيرا منهم عاد إلى موطنه الأصلى بعد طرده منه(2). لكننى أريد أن أوضح أن موضوع الأندلس ليس من المسلمات فى أوربا، بل هناك جدل بشأنه.

على أن الباحثين الأوربيين الذين يقولون بوجود اضطهاد للمسيحيين واليهود فى الأندلس يبنون أحكامهم على أساس أن المجتمع الأوربى الحديث يقبل بوجود غير المسيحيين ولا يمارس تمييزا ضدهم. ولا يملك المرء هنا إلا أن يقول إن الواقع غير ذلك، وكلنا يعلم معاناة المسلمين فى أوربا عندما يريدون بناء مسجد (انظر على سبيل المثال قصة مشروع مسجد إشبيلية، فقد تعطل البناء لأن أهل الحى "لا يريدون إرهابيين بينهم")، أما عن قصص التمييز ضد الأوربى الذى يعتنق الإسلام –خاصة إذا كان من أصحاب المناصب العليا- فحدث ولا حرج.

عموما فمن المهم أن نطالع وجهة النظر الأخرى إذا أردنا أن يكون تقييمنا لأمر ما موضوعيا.

يتناول الكتاب أيضا العناصر السكانية فى شبه جزيرة إيبيريا إبان الحكم الإسلامى فى الأندلس فيتحدث عن المستعربين muzarabes ودورهم فى نقل المعارف إلى الممالك المسيحية فى الشمال.

يتحدث عن اليهود فيقول إنهم استقبلوا بارتياح وصول الفاتحين المسلمين أملا فى تحسن أوضاعهم وإنهم سرعان ما انخرطوا فى الثقافة العربية. تشير المؤلفة إلى الدور الذى لعبه اليهود فى نقل المعارف العربية إلى أوربا من خلال مدرسة المترجمين فى طليطلة.

يتحدث الكتاب أيضا عن تحويل اليهود قسريا إلى الإسلام فى بداية عصر الموحدين، ولا يسوق أدلة موثقة على ذلك، ويقول إن المصادر العربية أغفلت هذا الأمر. ونرى أن على مؤرخينا مناقشة هذا الموضوع والإسهام فى توضيحه.

يتضح من عرض وضع الأقليتين المسلمة واليهودية فى ممالك المسيحيين بالشمال أنه لم يكن هناك تسامح دينى على الإطلاق، ويشهد الكتاب نفسه أن المسيحيين واليهود فى الممالك المسلمة كانوا يتمتعون بوضع ممتاز، وإن لم يكن مساويا للمسلمين.

تكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة إذا وضعنا فى الاعتبار الموقف الذى تبنته المؤلفة فى البداية، على أننا لا نستطيع أن نغفل –كذلك- هذا التقييم الموضوعى الذى نراه هنا.

تتحدث المؤلفة عن موقف كل من غالميس دى فوينتيس وماركيث بيانويبا(3) من الموريسكيين. تقول إن بيانويبا يرى أن المؤرخين اعتمدوا على الكتابات الرسمية وهى- فى رأيه- "مصادر مسمومة" ووصلوا إلى نتيجة مفادها أن المجتمع الإسبانى كان يكره الموريسكيين، وتنقل المؤلفة عن بيانويبا قوله: لو أن المؤرخين الإسبان اطلعوا على الأدب الألخميادو الذى كتبه الموريسكيون لعلموا أن اندماج أولئك الموريسكيين فى مجتمع الأغلبية كان ممكنا.

تعرض المؤلفة أيضا رأى غالميس دى فويبنتيس، وهو يرى أن الأدب الألخميادو يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الموريسكيين كانوا مسلمين قلبا وقالبا وأنه –بناء على ذلك- لم يكن اندماجهم فى مجتمع الأغلبية ممكنا.

المؤلفة تؤيد رأى غالميس دى فوينتيس، وترى أن المجتمع متعدد الثقافات لم يوجد فى إسبانيا مطلقا.

ونحن بدورنا نرى أن مفهوم "التعايش" عند غالبية المؤرخين والباحثين الإسبان معناه تخلى الأقلية المسلمة عن هويتها الدينية.

منذ سنوات أجريت دراسة عن مخطوطة كتبها بالإسبانية موريسكى لجأ إلى تونس (4) ، ورأيت أن الموريسكى –حتى وهو خارج وطنه الإسبانى- كان إسبانيا شديد التمسك بوطنه. لكنه كان أكثر تمسكا بالإسلام وقد ضحى من أجل إسلامه بالكثير. ما يهمنى أن أبرزه هنا هو أن الموريسكى حاول الاندماج فى مجتمع الأغلبية، فغير ملابسه وارتدى ملابس المسيحيين، ثم تخلى فى حياته العامة –طوعا أو كرها- عن لغته العربية وتحدث لغة أهل قشتالة. فعل الموريسكى كل ذلك –وغيره كثير- حتى يندمج فى مجتمع الأغلبية. لكنه لم يتخل مطلقا عن الإسلام.

لم يخطئ ماركيث بيانويبا –فى تصورى- فى قراءته لمضمون الأدب الألخميادو، إذ كان يتحدث عن مجتمع إسبانى يتعايش فيه المسيحيون والمسلمون واليهود. أما الذين ربطوا بين الهوية الإسبانية والدينية المسيحية فهم الذين تبنوا نظرية الموريسكى غير القابل للاندماج فى مجتمع الأغلبية.

وبعد ، فقد أردنا من ترجمة هذا الكتاب أن يتعرف القارئ العربى على وجهة نظر أخرى فى موضوع نراه نحن من المسلمات، ويدور الجدل بشأنه فى إسبانيا.

يبقى أن نقدم جزيل شكرنا للزميلة مرثيديس غارثيا أرينال على تعاونها –هذا هو كتابها الرابع الذى ننشره فى القاهرة – وللمجلس الأعلى للثقافة على دعمه المستمر لنشر كتب تلقى كثيرا من الضوء على تاريخ الأندلس فى مرحلة ازدهاره وبعد سقوط دولة الإسلام فى غرناطة.
والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات
جمال عبد الرحمن
القاهرة فى شهر رمضان المبارك عام 1427 هجري

Gamal Abdel Rahman
Admin

المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 23/09/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://estudiosmoriscos.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى