الموريسكيون الأندلسيون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الموريسكيون الأندلسيون

مُساهمة  Gamal Abdel Rahman في الخميس سبتمبر 25, 2008 4:10 pm

منذ ما يربو على خمس عشرة سنة دعيت للمشاركة فى مؤتمر علمى فى تونس يتحدث عن سقوط غرناطة. كانت مداخلتى تدور حول صدى سقوط غرناطة فى الأدب الإسبانى، لكن محورا آخر من محاور المؤتمر كان يتحدث عن "القضية الموريسكية". كان مصطلح " الموريسكى" جديدا على أسماع باحثين كثيرين، خاصة من غير المتخصصين فى الدراسات الإسبانية. تحدث فى الموضوع آنذاك باحثون من مختلف دول أوربا، بل ومن روسيا وإفريقيا السوداء ، لكن مشاركة الباحثين العرب كانت ضعيفة إلى أقصى حد، مع أنهم من أوائل المعنيين بدراسة قضية تاريخ مسلمى الأندلس بعد سقوط دولة الإسلام فى غرناطة. كان من الواضح أن السبب الرئيسى فى عزوف الباحث العربى عن المشاركة فى هذا النوع من الدراسات إنما يعود إلى سببين:
1- عدم إلمامه باللغة الإسبانية، وهى اللغة التى كتبت بها معظم الوثائق التى يمكن الاستناد إليها، فوثائق محاكم التفتيش محررة بالإسبانية، وكذلك محاضر المجالس البلدية والمراسيم الملكية. الشئ المثير للدهشة وللحزن معا هو أن النسخ العربية من الاتفاقيات التى حررها الملوك الإسبان مع أطراف عربية قد فقدت, ولم يعد بالإمكان سوى الاستعانة بالنسخ الإسبانية.
2- أن الباحثين العرب الذين يجيدون الإسبانية معظمهم من دارسى اللغويات والأدب، وقد اهتم هؤلاء بترجمة الأعمال الأدبية فى إسبانيا وأمريكا الجنوبية، ولم تتح لمعظمهم فرصة الإطلاع على كتب التاريخ الموريسكى، أو لم يشأ أحد منهم ترجمتها.


إذن فالمشكلة تتلخص فى أن الباحث فى التاريخ –وهو المؤهل للمشاركة- لا يجيد الإسبانية ، ومن يجيد الإسبانية متخصص فى مجالات أخرى غير الأبحاث التأريخية. تصورت أن الحل يكمن فى ترجمة عدة وثائق من الإسبانية إلى العربية، بالإضافة إلى عدد من الكتب الإسبانية التى صدرت حول الموضوع.

بمجرد العودة إلى مصر عكفت على دراسة "الوضع الحالى للقضية" لمعرفة الوثائق الضرورية، والدراسات التى صدرت ، والمادة العلمية التى يجب أن يتسلح بها الباحث الذى يريد خوض غمار هذه الدراسات، وانتهيت إلى إعداد قائمة أولى تتضمن الكتب التى عالجت الموضوع بشكل أساسى. لم يكن الأمر يتعلق بكتاب واحد ولا بكتابين، بل بكتب كثيرة، وكان ذلك فى حد ذاته مشكلة، فمن هذا الذى يستطيع أن يترجم بمفرده عشرين كتابا فى وقت وجيز؟ ثم أين هى دار النشر التى تقبل مغامرة نشر عدة كتب من هذا النوع فى آن واحد؟

رأيت أن المشروع القومى للترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة فى مصر ربما يكون الحل الأمثل لمشكلة النشر، فعرضت الأمر على الدكتور جابر عصفور-أمين عام المجلس وقتذاك- فأبدى حماسا كبيرا للموضوع، وهكذا حلت مشكلة النشر، ثم تحدثت مع زملاء من جامعات مختلفة ممن عرفت عنهم اهتمامهم بهذا الجانب، وهكذا أصبح بالإمكان صدور عدة كتب فى عام واحد. قمت شخصيا بترجمة بعض الكتب وبدأت بكتاب الزميلة مرثيديس غارثيا أرينال الذى نعرضه الآن إذ رأيت أنه يمثل نقطة البداية. صحيح أنه ليس أول كتاب يصدر عن القضية الموريسكية، لكنه يعرض وثائق لا غنى عنها للبدء فى دراسة الموضوع.

لا أظن أن هناك مبالغة إذا قلت إن هذا الكتاب –بما يتضمنه من وثائق- يشكل الخطوة الأولى التى يجب أن يخطوها من يريد دراسة تاريخ الأندلس بعد سقوط غرناطة، فهو يتضمن ثمانى وعشرين وثيقة، الجزء الأكبر منها لم يكن قد نشر بعد، بدءا باتفاقية تسليم غرناطة، وانتهاء بمرسوم طرد الموريسكيين من الممالك الإسبانية. يعرض الكتاب الإتفاقية التى وقعها أبو عبد الله الصغير و فيرناندو الكاثوليكى لتسليم غرناطة (إن اتفاقية تسليم غرناطة ، بصيغتها التى يعرضها الكتاب، تشير إلى القوى الفاعلة الموجودة فى ذلك الحين ، وتوضح بما لا يدع مجالا للشك أن المفاوض المسلم كان مفاوضا ناجحا ولم يفرط أبدا فى حقوق المسلمين الإسبان ، بل ولم يفته كذلك أن يدافع عن حقوق رعايا الدولة الإسلامية من اليهود . ربما يمكن أن نستخلص من التجربة الأندلسية هنا أن مستقبل أمة لا تضمنه مجرد اتفاقيات موقعة ، بل تماسك الأمة واستمرارها فى امتلاك أسباب القوة). كما يعرض الكتاب نماذج للقضايا التى نظرتها محاكم التفتيش (مما يساعدنا على إدراك أبعاد ملحمة صمود شعب الأندلس المسلم فى وجه المحاولات الرامية إلى طمس هويته، ويبين أن عناصر المقاومة كانت تشمل الفقراء والأغنياء، والرجال والنساء) ، كما تعرض الوثائق مواقف المجتمع الإسبانى من القضية ، وتبين كيف أن بعض القادة المسيحيين كانوا يرون إمكانية التعايش بين أفراد المجتمع على الرغم من اختلاف الأديان (رأينا وثيقة تبين الدفاع المستميت عن المسلمين الذى أبداه بعض النبلاء الإسبان ، لدرجة أن يتطوع أحدهم بتشييد مسجد تقام فيه الصلاة) ، وكيف أن تركيا ومصر لم تكونا بعيدتين عن مجريات الأحداث (القصيدة التى أرسلها الموريسكيون إلى السلطان بايزيد الثانى تشير إلى تدخل مصر المملوكية لصالحهم ، وإن لم يكن ذلك التدخل على النحو المرجو لأسباب أسهب المؤرخون فى شرحها). يبين الكتاب أيضا الدرس العظيم الذى قدمه مفتى وهران: إن الفتوى التى أرسلها إلى أبناء الأندلس – وهى بعيدة كل البعد عن الجمود- يجب أن تدرس بعناية. تلك الفتوى الشهيرة أحدثت تاريخا ، ويستحق صاحبها أن يسجل اسمه بين رجال الدين المتميزين. لقد أدت –ببساطة- إلى استمرار الإسلام فى إسبانيا ما يربو على قرن من الزمان. يورد الكتب أيضا نص المذكرة التى قدمها نونييث مولاى نيابة عن إخوته فى الدين وعرض فيها أنواع الظلم التى يتعرضون لها، وإن كانت السلطات الرسمية قد حذفت من المذكرة بعض أجزاء تنتقدها. ويعرض الكتاب أيضا نموذجا للأدب الذى كتبه مسلمو الأندلس فى عصرهم المتأخر. كانت معلوماتهم عن السيرة يتم تناقلها شفويا، وقد أدى ذلك إلى خلط حوادث بعضها يخص غزوة بدر وبعضها الآخر يخص غزوة حنين، لكن ذلك الأدب يوضح بما لا يدع مجالا للشك أن الموريسكيين كانوا متمسكين بالإسلام رغم تعميدهم القسرى. إن على من يريد التصدى لقضية ما أن يتسلح بالوثائق أولا ، ثم يقوم باستخلاص النتائج بعد ذلك. الوثائق: هنا بالضبط تكمن أهمية الكتاب الذى نعرضه الآن.

بعد هذا الاستعراض للوثائق التى يقدمها الكتاب أكاد أجزم بأنه يلخص كل أبعاد القضية الموريسكية ، وإن كنت –إحقاقا للحق- أشير إلى جانبين مهمين من جوانب القضية لا يتعرض لهما الكتاب ولم يتناولهما الباحثون إلا مؤخرا: الموضوع الأول يتعلق بمسألة الوجود الإسلامى فى أمريكا الجنوبية بعد نزوح عدد من الموريسكيين إليها. إن العثور على مخطوطات ذات موضوعات إسلامية ، وتوافر معلومات عن عدة قضايا نظرتها محاكم التفتيش فى أمريكا الجنوبية، بالإضافة إلى تعاقب الأوامر الملكية بحظر سفر المسلمين إلى العالم الجديد...كل ذلك يؤكد أن الإسلام كان موجودا فى أمريكا الجنوبية منذ لحظة اكتشافها(هناك من يتحدث عن وجود عربى إسلامى فى أمريكا قبل وصول الإسبان إليها). ولنا أن نشير إلى أن الأبحاث التى تنشر حاليا تعضد ما نقول، وربما تكون لنا وقفة مستقبلا مع كتاب يتناول هذا الموضوع الحيوى. أما الموضوع الثانى فهو خاص بالجدل الدينى بين المسلمين والمسيحيين من عامة الشعب، وكان الجدل يدور أحيانا داخل السجون بين المسلمين والبروتستانت (لم تكن السلطات الرسمية تسمح إلا بالمذهب الكاثوليكى)، وقد خلف الموريسكيون عدة مخطوطات تعالج هذ الجانب وبرز منهم كثيرون فى هذا المجال.

هناك عدة نتائج يمكن أن نخلص إليها من قراءة الكتاب، ربما تتمثل فى إدراك أن جوانب قضية الأندلس متعددة ولا ينبغى تبسيطها. يخطئ المسلمون والمسيحيون على السواء إن هم ظنوا أن تاريخ الأندلس كان مجرد فترة صراعات انتهت لصالح أحد الفريقين ، وأن كل المسلمين كانوا يريدون الرحيل وأن كل المسيحيين كانوا سعداء بترحيل الموريسكيين. إن الوثائق التى يعرضها الكتاب تبين أن بعض المطرودين قد وجدوا راحتهم فى البلاد التى نزحوا إليها ، أما البعض الآخر فقد صدم حين وقعت عيناه على واقع مر ، حين أدرك البون الشاسع بين الإسلام بتعاليمه السمحة وبين بعض المسلمين الذين راحوا يفسرون الدين على غير أساس من علم ضرورى لفهم الدين فهما صحيحا. إذن فقد عاد بعض المسلمين إلى إسبانيا بعد طردهم منها ، وهذا معناه إما ضعف الوازع الدينى وإما أن المعاملة التى لقوها لم تكن مشجعة على الحياة فى بلد المهجر: يبقى أن نحدد نسبة هذا الفريق. تبين الوثائق كذلك أن بعضا من عامة الشعب فى إسبانيا كانوا يتسترون على المسلمين العائدين.

إحدى الوثائق التى يعرضها الكتاب تبين إلى أى مدى تأثر المسلمون فى الأندلس بالمسيحيين ، لدرجة أن بإمكاننا أن نتحدث عن وجود مؤثرات غير إسلامية فى إسلام الموريسكيين. الحديث عن نبوءات تشير إلى مستقبل الأندلس يقودنا إلى الحديث عن نبوءات مشابهة زعم القوط وجودها وقالوا إنها تتوقع قدوم المسلمين إلى شبه الجزيرة. ونضيف هنا أن الرسالة التى يقول صاحبها إنه الشيخ أحمد وإنه خادم الروضة الشريفة وإنه رأى النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام وإنه كلفه بإبلاغ رسالة إلى الناس…..هذه الرسالة وضعها المسلون فى إسبانيا بعد سقوط الأندلس ، وما هى إلا تقليد لرسالة زعم المسيحيون فى أوربا خلال العصور الوسطى أنها هبطت عليهم من السماء.

الكتاب يوضح أيضا أن نسبة غير قليلة من الوثائق الرئيسية للقضية الموريسكية مكتوبة باللغة العربية (انظر مثلا تلك القصيدة الموجهة إلى السلطان بايزيد، وقتوى بو جمعة الوهرانى وهما وثيقتان مدرجتان فى الكتاب، وهناك وثائق أخرى تتعلق بالموريسكيين فى تونس وبالمدن المستقلة التى أقاموا فيها فى بعض أنحاء مغربنا العربى) كل هذا يلقى باللوم على الباحث العربى إن هو تخلف عن المشاركة الفعالة فى تحليل ما حدث فى الأندلس واستخلاص العبر.

يوضح الكتاب إذن أن قضية الموريسكيين أكثر تعقيدا مما يظن أحدنا ، أنها ليست مجرد قضية شعب طرد من أرضه بعد أن أجبر على اعتناق دين لا يؤمن به. لقد تجرأ البعض واتهم الموريسكيين بالتفريط ! ولو فرط هؤلاء فى دينهم ما تعين عليهم أن يتحملوا الأهوال التى مروا بها.

لا أريد أن أنهى هذا العرض قبل الحديث عن مؤلفة الكتاب ، الزميلة مرثيديس غارثيا أرينال، وهى تعمل بالمجلس الأعلى للبحث العلمى بمدريد، وهى من أبرز المتخصصين فى الدراسات الموريسكية. اكتفت الباحثة بعرض الوثائق فى حيادية كاملة، فقدمت للقارئ الإسبانى دليلا يهتدى به إن أراد أن يواصل البحث وأن يتعرف على جزء مهم من تاريخ بلاده، وقد ترجمت كتابها إلى العربية كمقدمة لكتب أخرى عن مسلمى الأندلس بعد سقوط غرناطة، وأملا فى أن يلتقط مؤرخونا الخيط ويدلوا بدلوهم فى هذا الموضوع الذى تزداد أهميته يوما بعد يوم.
جمال عبد الرحمن

Gamal Abdel Rahman
Admin

المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 23/09/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://estudiosmoriscos.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى