كتاب "دراسات أندلسية وموريسكية" تأليف نخبة من أبرز المتخصصين، ترجمة وتقديم جمال عبد الرحمن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كتاب "دراسات أندلسية وموريسكية" تأليف نخبة من أبرز المتخصصين، ترجمة وتقديم جمال عبد الرحمن

مُساهمة  Gamal Abdel Rahman في السبت أبريل 18, 2009 3:20 pm

من بين الكتب التى أصدرها المشروع القومى للترجمة هناك كتب عبارة عن مقالات جمعها أصحابها ونشروها فى كتب (انظر كتابىّ غوثالبيس بوستو "الموريسكيون فى المغرب" و"المنظرى الغرناطى مؤسس تطوان"، وكتاب ماركيث بيانويبا "القضية الموريسكية من وجهة نظر أخرى")
فى بعض الأحيان يعد الباحث دراسة موجزة ثم لا يتمكن من نشرها فى كتاب (انظر حالة مقال غارثيا أرينال حول الوضع الحالى للدراسات الموريسكية. هذا المقال يندر أن تجد كتابا يؤرخ للقضية الموريسكية دون أن يعود إليه). ما العمل مع مقال كهذا؟ رأيت أن أضع أمام القارئ العربى مجموعة دراسات قصيرة لكل منها أهميته، وقد حاولت قدر الإمكان أن تكون للكتاب وحدة موضوعية. لا أزعم أن المحاولة كللت بالنجاح تماما، لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله.
الكتاب الذى نقدم له إذن عبارة عن دراسات موجزة لمؤلفين عديدين، لم تتح لبعضهم فرصة نشر دراسته فى كتاب كامل.
القسم الأول من الكتاب يتحدث عن موضوع لم يطرقه الباحثون كثيرا ، وهو تأثر الإسلام الأندلسى بالمسيحية ، وكان أسين بالاثيوس قد أفرد لهذا الموضوع كتابا مستقلا وضع له عنوانا معبرا El Islam cristianizado"الإسلام المتنصّّّر" أو "الإسلام المتأثر بالمسيحية" ، غير أن الباحث المتخصص فى الفكر الإسلامى ميغيل كروث إيرنانديث ذهب إلى أن بالاثيوس أخطأ فى اختيار عنون كتابه ، وقال –فى محاضرة ألقاها فى جامعة القاهرة (1)- إن بالاثيوس تحدث فى كتابه عن المسيحية التى تأثرت بالإسلام. حديث كروث إيرنانديث إذن يعضد رؤيتنا للموضوع ويجعل اختيار مقالات فيرناندو دى لا غرانخا عملا مشروعا تماما.
تبين مقالات فيرناندو دى لاغرانخا أن تسامح المسلمين مع مسيحيى الأندلس لم يقتصر على السماح ببناء الكنائس والأديرة، أو توليهم مناصب عليا فى الدولة، بل امتد ليشمل مشاركتهم فى الاحتفال بعيد الميلاد وعيد العنصرة -المعروف حاليا بعيد القديس خوان أو ميلاد النبى يحى عليه السلام - وخميس أبريل. لسنا بصدد تحديد ما إذا كان السبب فى ذلك يعود إلى أن كثيرا من مسلمى الأندلس تزوجوا من مسيحيات، أو أن أسبابا سياسية –تتمثل فى المحافظة على ولاء مسيحيى الممالك الإسلامية- هى التى كانت وراء مشاركة المسلمين فى الاحتفالات. المهم هو أن تلك الاحتفالات كانت واقعا ملموسا فى الأندلس كان له رد فعل من جانب بعض الفقهاء.
القسم الثانى من الكتاب يدور حول الموريسكيين، ويتناول الجانب الدينى بالتحديد، وأحسب أن الدراستين الموجزتين للمترجم توضحان أن تأثر الإسلام الأندلسى بالمسيحية واصل خطاه حتى بعد سقوط غرناطة: لم تكن "رسالة الشيخ أحمد" إلا عملا موريسكيا أراد الحفاظ على ما تبقى من دين إسلامى فى شبه الجزيرة مستغلا ما فعله المسيحيون فى العصور الوسطى حين ظنوا أن دينهم يتعرض لخطر الفناء. ثم كانت دراسة ثقافة لاجئ تونس الموريسكى فرصة للتعرف على استغلال الموريسكيين لأساطير مسيحية تزعم اشتراك سانتياغو بعد مماته فى الحروب ضد المسلمين، وهو الأمر الذى تأثر به مسلمو إسبانيا فاخترعوا أسطورة مناظرة، وزعموا أن عليا بن أبى طالب لا يزال يشترك فى المعارك الدائرة بين مسلمى إسبانيا ومسيحييها.
قبل أن نواصل الحديث أريد أن أتوقف قليلا عند تأثر الإسلام الأندلسى –قبل سقوط غرناطة وبعده- بالمسيحية. كان التأثر فى المرحلة الأولى نموذجا لتسامح الإسلام مع الديانات الأخرى. إن سماح ملوك الأندلس بالاحتفال بأعياد مسيحية لم يكن سوى دليل على ذلك التسامح الذى اتصف به العصر الأندلسى. أما بعد سقوط غرناطة وتعرض الإسلام الأندلسى لخطر حقيقى فكان الدافع وراء ذلك أمرين مختلفين:
1-محاولة أخيرة للتمسك بالدين (الزعم بأن النبى صلى الله عليه وسلم جاء فى المنام وأمر بأن يصوم الناس ثلاثة أيام)
2- التقرب من أصحاب دين الغالبية إذا كان ذلك لا يتعارض مع العقيدة الإسلامية (يتحدث الإسلام عن مريم فيذكر أن الله اصطفاها وطهرها واصطفاها على نساء العالمين، لكنه لا يذكر أن السيدة مريم احتفظت بعذريتها بعد أن وضعت، وعليه سار الموريسكيون على نهج الكاثوليك وقالوا بعذرية السيدة مريم لأن ذلك لا يتعارض مع العقيدة الإسلامية)
يتضمن القسم الثانى كذلك دراستين لعلمين من أعلام الدراسات الموريسكية أحدهما ألمانى هو الدكتور رينولد كونزى والأخرى من بويرتو ريكو وهى لوثى لوبيث بارالت التى تعتبر دون جدال عميدة الاستعراب فى الأمريكتين. يتناول مقال كونزى المخطوطات الألخميادية التى تعرضت للإسراء والمعراج، ويبين أنها تتناقض فيما بينها وأن الحل يكمن فى الرجوع إلى الأصول العربية لهذه المخطوطات. وللحقيقة نقول إن غالبية الأدب الألخميادو لم يكن سوى ترجمة لأصول عربية، وعليه فإننا نتفق مع البروفيسور كونزى فيما ذهب إليه. أما بارالت فهى تتحدث عن الأدب الألخميادو الذى كتبه الموريسكيون بحروف عربية وبلغة إسبانية. تقول بارالت إن ذلك الأدب يقدم صورة صادقة للواقع الذى عاشه الموريسكيون، فى مقابل "الأدب المتعاطف مع المسلم" الذى كتبه بعض كتّاب إسبانيا المعاصرون للمشكلة الموريسكية، ذلك أن الأدب "المتعاطف" كان يقدم صورة "ما يجب أن يكون"، لكنها صورة وردية لا تمت للواقع بصلة، وإن كانت تعبر عن أمانى يرغب البعض فى أن تكون واقعا معاشا. ولعل من يطالع رواية "ابن سراج" وما فيها من وصف خيالى لمسلم غرناطة، يدرك البون الشاسع بينها وبين المأساة التى تعرض لها الغرناطيون بعد سقوط دولتهم الاسلامية، حيث لم ينج من المعاناة فقير أو غنى (تأمل قضية كوسمى بن عامر الذى كان من الوجهاء ، لكن مكانته الاجتماعية لم تقف حائلا دون تعرضه للمضايقات)
القسم الثالث يتحدث عن جانب آخر من جوانب القضية الموريسكية ويعرض وثائق لم تتح الفرصة –على حد علمنا- لنشرها فى كتاب كامل. الدراسة التى نشرها فيرنانديث نييبا تبين إلى أى مدى كان تعنت السلطات الكاثوليكية مع الموريسكيين، أما دراسة بونيس إيبارا ودراسة كابريانا فتوضحان أن الإسبان قد اهتموا بالتوثيق منذ البداية ، وهو ما يدعونا إلى البحث فى الوثائق العربية علنا نجد فيها ما يقدم وجهة نظر أخرى للقضية الموريسكية، أو –على الأقل- الاهتمام بحفظ الوثائق التى لم تضع بعد. وعلى ذكر تقديم وجهة نظر أخرى أقول إن ماركيث بيانويبا جمع كتابا كاملا عبارة عن مقالات كتبها فى هذا الموضوع وقد نشر المجلس الأعلى للثقافة ترجمته العربية منذ عامين. من هذا الكتاب تحديدا اخترنا دراسة كان بيانويبا قد أعدها للمشاركة فى مؤتمر للدراسات الموريسكية، ولا يختلف مضمون هذه الدراسة فى شئ عن الدراسة التى أدرجها المؤلف فى كتابه المشار إليه. الأمر لا يعدو أن يكون تعديلا فى صياغة بعض العبارات ومراعاة الفرق بين دراسة مستقلة ودراسة تشكل جزءا من كتاب. أما دراسة خيل غريماو حول موريسكيى المغرب فهى تخطو خطوة أخرى على طريق إيضاح الأثر الموريسكى فى المغرب، قد نفيد منها فى محاولة رصد الأثر الأندلسى فى مصر وما يكون له من تأثيرات قد تتمثل فى إدخال نمط من العمارة أو فى وجود مخطوطات خلفها أندلسيون هنا أو هناك. ويبدو أن الأثر الأندلسى فى مصر يزيد عن التصور المبدئى لأحدنا. لاحظت ذلك من خلال متابعتى لسلسلة محاضرات نظمها معهد ثيربانتيس بالقاهرة حول هذا الموضوع ألقاها أستاذانا مختار العبادى ومحمود على مكى وغيرهما من الأساتذة المتخصصين. أعود إلى دراسة خيل غريماو فأقول إن الأبحاث التى نشرت حديثا تجاوزتها تماما. يكفى أن نعرف أن غوثالبيس بوستو قد نشر كتابا موثقا عن الموريسكيين فى المغرب، وأن لدينا للمؤلف نفسه كتابا كاملا عن المنظرى مؤسس تطوان، وقد ترجم الكتابان إلى العربية، والكتاب الثانى على وشك الخروج إلى النور ضمن إصدارات المركز القومى للترجمة، إن لم يكن قد صدر بعد. هناك أيضا كتاب ميكيل دى إيبالثا بعنوان "الموريسكيون فى إسبانيا وفى المنفى"، وهو يتحدث بشكل جزئى عن الوجود الموريسكى فى المغرب. من ناحية أخرى لا نستطيع أن نوافق المؤلف فى كل ما ذهب إليه عند حديثه عن عائلات أندلسية وموريسكية استوطنت المغرب، فلا يمكن أن تكون عائلة العطّار وعائلة السرّاج حكرا على الأندلس، فهذه مهن موجودة فى أماكن عديدة وبالتالى فهناك عائلات تحمل الاسم نفسه وتنتمى إلى أماكن مختلفة.
هناك دراسة لفتت نظرى بشكل خاص. أتحدث عن محاضر اجتماعات المجلس البلدى فى إحدى مدن إسبانيا (مالقة) فى غمار الثورة التى قام بها الموريسكيون. إن المحاضر دقيقة فى تسجيل وقائع الجلسات حتى أن أحدنا ليشعر وكأنه كان من بين الأعضاء يتابع تطورات ثورة الموريسكيين. هذا التسجيل الدقيق للجلسات (نتحدث عن أداء السلطات الإسبانية فى القرن السادس عشر) لا يملك المرء معه إلا أن يتساءل متى سنتعامل مع تاريخنا المعاملة اللائقة من حيث دقة التسجيل ومن حيث المحافظة على الوثائق؟.
أعود إلى الحديث عن مقالات فيرناندو دى لاغرانخا فأقول إنها تضمنت حشدا من فقرات من نصوص قديمة، بعضها غير معروف للقارئ غير المتخصص. رأينا ألا نترجم الترجمة ، بل أن نعود إلى النص الأصلى ننقل منه الفقرة التى أوردها المؤلف، وقد كلفنا هذا العمل جهدا يعلمه تماما كل من تعامل مع أمهات الكتب غير المتاحة للعامة، بل إننا فى بعض الأحيان كنا قد انتهينا من ترجمة نص ما ، فلما عثرنا على النص الأصلى آثرنا أن نورده كما هو. أما النصوص التى لم نتمكن من العثور عليها فلم يكن أمامنا سوى ترجمتها. وقد استعنا فى كتابة أسماء الأعلام بالشبكة العنكبوتية (الانترنيت) وقد عثرنا على الجزء الأعظم من أسماء الشخصيات والأماكن الجغرافية وعناوين المؤلفات، أما ما لم نتمكن من العثور عليه فقد اجتهدنا فى كتابته ولم ندخر وسعا فى البحث عنه.
هذا الكتاب إذن –بما يتضمنه من دراسات لا تكاد توجد فى كتاب كامل- يضيف الكثير لمن يريد معرفة تاريخ الأندلس ولمن يريد أن يتابع تاريخ المسلمين فى إسبانيا بعد سقوط دولة المسلمين فى غرناطة.
اعتدت فى مقدمة ترجمة أو مراجعة كتاب أن أشكر عددا محدودا ممن ساهموا فى خروج الكتاب الإسبانى فى لغة عربية، أما هنا فأصحاب الفضل كثيرون، لهذا رأيت أن يكون تصدير الكتاب تعبيرا عن امتنانى لهم جميعا.
والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات
جمال عبد الرحمن
القاهرة فى 6 رمضان 1428هـ

Gamal Abdel Rahman
Admin

عدد المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 23/09/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://estudiosmoriscos.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى