كتاب" محاكم التفتيش والموريسكيون" تأليف مرثيديس غارثيا أرينال، ترجمة خالد عباس، مراجعة وتقديم جمال عبد الرحمن (1)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كتاب" محاكم التفتيش والموريسكيون" تأليف مرثيديس غارثيا أرينال، ترجمة خالد عباس، مراجعة وتقديم جمال عبد الرحمن (1)

مُساهمة  Gamal Abdel Rahman في الجمعة أبريل 17, 2009 11:27 am

مقدمة المراجع

هذا هو الكتاب الثانى للزميلة الدكتورة مرثيديس غارثيا أرينال الذى يترجم إلى لغتنا العربية. كان الكتاب الأول بعنوان "الموريسكيون الأندلسيون" -- وقد نشر فى إطار المشروع القومى للترجمة الذى يصدر عن المجلس الأعلى للثقافة— وهو عبارة عن مجموعة من الوثائق لا يستغنى عنها من يريد التعرف على جوانب المحنة التى تعرض لها مسلمى الأندلس بعد سقوط دولة الإسلام فى غرناطة.

عنوان الكتاب الذى نقدم له يدعونا إلى الحديث عن موضوعين: محكمة التفتيش والتعريف بها ، ثم الموريسكيين وظروف حياتهم.

1- محاكم التفتيش:
تختلف محكمة التفتيش عن المحاكم العادية من عدة أوجه، فهى تختص بنوع محدد من "الجرائم" وهى الأفعال التى تراها المحكمة نوعا من الإلحاد، ثم إن المحكمة تتولى النظر فى " الجرائم" التى يرتكبها أصحاب ديانة معينة: المسيحيون ، حتى لو كان اعتناقهم للمسيحية وليد إكراه. على أن الفرق الأكبر بين محكمة التفتيش والمحاكم العادية يمكن أن ندركه من اسم المحكمة نفسه: هى محكمة التفتيش والبحث عن ملحدين، أى أنها لاتنتظر حتى يتقدم إليها أحد بشكوى، بل تتحرك من تلقاء نفسها بحثا عن قضايا.

أ‌- محكمة التفتيش البابوية:
فى عام 1095 أعلن البابا أوربانو ضرورة "استرداد" بيت المقدس من أيدى المسلمين، ولكى يحشد متطوعين لذلك أعلن أن الاشتراك فى الحروب الصليبية يعدل التوبة عن أى ذنب، ويستحق صاحبه الغفران. بعد ذلك أصبح من يشارك فى نفقات الحروب يستحق الغفران كذلك، ثم أصبحت صكوك الغفران تباع للمساهمين فى نفقات تشييد كاتدرائية القديس بطرس، وبعد ذلك أصبحت تلك الصكوك تباع بأثمان زهيدة ولأى سبب.

الأمر الغريب هو أن الحملات الصليبية أتت بنتائج غير تلك التى كانت تتمناها الكنيسة الكاثوليكية، فقد عاد المتطوعون إلى أوربا وهم يحملون مبادئ تخالف الكاثوليكية. وقد خشيت الكنيسة الكاثوليكية من حدوث انشقاقات عليها، ولهذا فقد أرسل البابا إينوثينثيو الثالث حملات تفتيشية حققت بعض النتائج المرجوة منها إلا أن المخالفات استمرت. وأخيرا دعا البابا إلى القيام "بحملات صليبية داخلية" فى جنوب فرنسا عام 1208 ، وكان المشاركون فى تلك الحملات يحصلون على الغفران ويحصلون كذلك على الأراضى المصادرة من "الملحدين"، مما جعل عدد المشاركين يصل إلى 500 ألف متطوع. وقد استولى المتطوعون على مدينة بيزيرس Beziers وذبحوا ستين ألفا من سكانها من بينهم نساء وأطفال. وكان الجنود يسألون القساوسة: كيف نفرق بين المسيحى المخلص والملحد؟ فكانوا يجيبونهم : اقتلوا الجميع وسيتولى الرب التمييز بين الفريقين.

رغم كل ذلك فإن "الإلحاد" استمر فى تولوز، مما أدى إلى استمرار الصراع حتى عام 1253 ، وكان البابا قد أصدر أمرا بإنشاء محكمة التفتيش البابوية عام 1215. إزاء المجازر التى ارتكبت ضد أبرياء فى جنوب فرنسا تصاعدت صيحات الاحتجاج فى أنحاء عديدة من العالم المسيحى، مما ترتب عليه عقد اتفاقية تولوز عام 1229 التى أقرت إنشاء محكمة التفتيش.

بالإضافة إلى كل ما تقدم كان البابوات يحثون ملوك أوربا على إصدار قوانين تعاقب جريمة "الإلحاد" بالإعدام، وقد استجاب الامبراطور فيديريك الثانى لنداء البابا اينوثينثيو الثالث وأصدر قانونا يعاقب "الملحد" بالإعدام حرقا، وبمرور الوقت كان البابوات يدعون الملوك الآخرين إلى سن قوانين مشابهة.

كانت الأحكام التى تصدرها المحكمة قابلة للاستئناف أمام البابا، وكان البابا يلغى الأحكام عادة نظير مبلغ يدفعه المتهم أو نظير خدمة تراها الكنيسة ضرورية. وكانت محكمة التفتيش البابوية أحيانا تصدر "عقوبات دينية" ضد من يخالف المنهج الذى تسير عليه الكنيسة، منها حضور جلسات وعظ ، وأداء صلوات وصيام وغير ذلك.

ب-محكمة التفتيش الإسبانية
نشأت محكمة التفتيش الإسبانية عام 1478 بقرار من الملكين الكاثوليكيين فيرناندو وإيسابيل. ربما كان السبب الأول فى إنشائها هو تحول كثير من اليهود إلى المسيحية عام 1391 بعد تعرضهم لضغوط شديدة، مما جعل ذلك التحول ينقصه الصدق. لذلك، ففى القرن السادس عشر كان هؤلاء المسيحيون محل ريبة المسيحيين القدامى.

بعد وفاة إنريكى الرابع ملك قشتالة آل عرشه إلى أخته إيسابيل عام 1465، وقد تزوجت الملكة الجديدة من فيرناندو الذى تولى عرش أراغون بعد وفاة خايمى الثانى.

كان القسيس الذى تعترف أمامه الملكة إيسابيل هو توماس دى توركيمادا الذى كان له نفوذ فى القصر. استمع توركيمادا إلى شكاوى المسيحيين القدامى فبدأ يتحدث عن أهمية إنشاء محكمة تفتيش فى قشتالة.

فى عام 1478 اكتشفت مجموعة من الأشخاص فى أشبيلية تمارس طقوسا غير معهودة فى الديانة المسيحية، وهذا ما أقنع الملكة بأن تطلب من سفرائها فى روما إذنا من البابا لإنشاء محكمة تفتيش فى قشتالة وأراغون.

وقد أصدر البابا سيكستو الرابع مرسوما فى نوفمبر عام 1478 يأذن فيه لملكى إسبانيا بتعيين أعضاء محكمة تفتيش، وقد وصل أعضاء المحكمة بالفعل إلى إشبيلية فى ديسمبر عام 1480 وحاكموا مجموعة من اليهود المنصرين وأصدروا حكما بإعدام بعضهم حرقا فى 6 فبراير عام 1481.

وتختلف محكمة التفتيش الإسبانية عن محكمة التفتيش البابوية، من حيث أن أعضاء المحكمة الإسبانية يعينهم الملك لا البابا، وعليه فإنهم موظفون فى الدولة ويخضعون لسياساتها. وهناك اختلاف آخر يتمثل فى أن الأحكام التى تصدرها المحكمة الإسبانية لا يمكن استئنافها فى روما.

كان مقر محكمة التفتيش الإسبانية فى إشبيلية ، ثم انتقل بعد ذلك إلى طليطلة، وكانت سلطة رئيس محكمة التفتيش لا تناقش، وكان يرأس مجموعة من الأعضاء عددهم خمسة، يشكلون المجلس الأعلى. وقد منح البابا كليمنتى الثامن أعضاء المحكمة الإسبانية سلطة النظر فى المطبوعات والمخطوطات وحظر قراءة الكتب والأوراق التى يرون أنها تخالف الآداب العامة أو عقيدة الكنيسة الكاثوليكية، وكانت عقيدة الكنيسة تتمثل فى عذرية السيدة مريم --حتى بعد أن وضعت-- والتثليث، وصلاحية الكنيسة الكاثوليكية فى منح الغفران.

كانت المحكمة تتكون من نائبين وعالم لاهوت، وكان لهم زى خاص. كان هناك ممثل ادعاء، وكان هناك قاض مهمته تقييم العقارات والثروات المصادرة، وكان لكل هؤلاء عدد من المساعدين من بينهم كاتب المحكمة الذى كان يسجل الأسئلة التى توجه إلى المتهمين والأجوبة، وكان كاتب المحكمة يسجل الاعترافات التى يدلى بها المتهم بعد تعرضه للتعذيب.

وكان هناك فى كل قرية أو مدينة لجان تتولى تنفيذ أوامر محكمة التفتيش وإلقاء القبض على من تحوم الشبهات حولهم. ثم كان هناك "المتعاونون مع المحكمة" ، وكان هؤلاء يتمتعون بعفو شامل عن ذنوبهم. ولتعيين "متعاونين" كانت المحكمة تخضع الشخص المرشح لاستجوابات خاصة بنقاء الدم، وكان الشخص المرشح يودع حوالى تسعة آلاف ريال قبل عملية استجوابه.

كانت محكمة التفتيش تتولى ملاحقة الملحدين herejes ، والملحد فى نظر الكنيسة هو المسيحى الذى يشك فى إيمانه، أى أن اليهودى والمسلم كانا بمنأى عن خضوعهما لسلطة محكمة التفتيش. هذا معناه أن الشخص كان يخضع لسلطة المحكمة اعتبارا من تارخ تنصيره، سواء أكان هذا التنصير إراديا أم قسريا. من هنا ندرك أهمية عمليات التنصير الجماعى التى قام بها الكاردينال ثيسنيروس ومن سار على نهجه: إنه –ببساطة- أوجد "عملا" لأعضاء محكمة التفتيش. لعلنا بهذا ندرك سبب محاولات الموريسكيين الاتصال بروما وإخبار البابا بأنهم لم يتلقوا ماء التعميد، أى أنهم غير خاضعين لسلطة محكمة التفتيش. كان تمويل محكمة التفتيش الإسبانية ذاتيا (1) وهو ما يدعونا إلى القول بأن قسطا وافرا من القضايا التى نظرتها تلك المحاكم كانت يستند إلى دوافع اقتصادية. هذا ما يفسر –كذلك- تعنت المحاكم وإطالة أمد القضايا المنظورة أمامها.

Gamal Abdel Rahman
Admin

عدد المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 23/09/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://estudiosmoriscos.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى