كتاب "الموريسكيون فى المغرب" تأليف غوثالبيس بوستو، ترجمة مروة ابراهيم، مراجعة وتقديم جمال عبد الرحمن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كتاب "الموريسكيون فى المغرب" تأليف غوثالبيس بوستو، ترجمة مروة ابراهيم، مراجعة وتقديم جمال عبد الرحمن

مُساهمة  Gamal Abdel Rahman في الجمعة أبريل 17, 2009 11:16 am

الموريسكيون فى المغرب
مقدمة المراجع

بعد سقوط دولة الإسلام فى الأندلس –بل وقبيل السقوط- كانت الهجرة إلى بلد إسلامى تعد فى كثير من الأحوال هى الحل الأنسب، فقد رأى نبلاء غرناطة أن الأمور فى بلدهم تسير من سئ إلى أسوأ وأن دولة الإسلام منهارة لا محالة، ولم يكن من الممكن آنذاك عمل أى شئ يوقف زحف الملك الكاثوليكى.
بدأ الناس فى الهجرة ، وكانت لتلك الهجرة –كغيرها من الحركات الكبرى فى التاريخ- تنائج ملموسة ، سواء على الذين هاجروا ، او على بعض البلاد التى هاجروا إليها. رحل الأندلسيون إلى تركيا ومصر وشمال إفريقيا وأوربا ، بل وأمريكا التى كانت قد تم اكتشافها منذ قليل.
لم تكن هجرة الأندلسيين ذات أثر بارز فى بلد كمصر، فالمهاجرون قد استقروا فيها وصاهروا أهلها ، وبعد فترة قصيرة لم يعد من الممكن التمييز بين المصرى والأندلسى (راجع كتاب عبد الرحيم عبد الرحمن عن الأندلسيين فى مصر من واقع ملفات المحاكم الشرعية ، إصدرات مؤسسة التميمى للبحث العلمى بزغوان، تونس) ونظن أن الوضع لم يكن يختلف كثير فى بقية البلاد الإسلامية مثل تركيا.
لكن الوضع فى شمال إفريقيا كان مختلفا تماما، فقد أقام المهاجرون فى قرى ومدن خاصة، شيدوها على غرار المدن التى جاءوا منها، وظلوا يتحدثون الإسبانية فيما بينهم ، ولم يندمجوا فى المجتمعات المغربية التى هاجروا إليها إلا بعد زمن طويل.
كان لهجرة الأندلسيين نتائج ملموسة على المغرب العربى ، فقد نقل الأندلسيون إلى شمال إفريقيا ثقافتهم الخاصة ، بإيجابياتها وسلبياتها، كما سنعرض فيما يلى.
كانت إعادة تأسيس مدينة تطوان على يد المنظرى، وهو نبيل غرناطى، هى أولى ثمار الهجرة الأندلسية إلى المغرب، والكتاب الذى بين يدينا يبرز الطابع الغرناطى الخالص الذى تمتعت به مدينة تطوان عند إعادة تأسيسها.
وصل الغرناطيون إلى شمال إفريقيا فأعادوا هيكلة الجهاد البحرى الذى تحول فى بعض الأحيان إلى وسيلة لكسب العيش. إن الجهاد –بشقيه: البرى والبحرى- قد جعل من تطوان قبلة للمسلمين المضطهدين فى أوربا.
كانت هجرة نبلاء غرناطة المسلمين إلى شمال إفريقيا سببا فى وضع حد للتوسع البرتغالى على حساب بلاد المغرب العربى، وقد استطاع المغاربة –بمعاونة الغرناطيين المنفيين- تحقيق ما لم يستطيعوا تحقيقه بمفردهم. إن النصر على البرتغال فى معركة القصر الكبير عام 1578 إنما ترجع أسبابه الرئيسية إلى معاونة الأندلسيين الذين وقفوا إلى جانب السلطان المغربى
على أن ثمار الوجود الموريسكى فى المغرب لم تقتصر على الجانب الجهادى، فيكفى أن نتذكر أن الأندلسيين –بالإضافة إلى تقديم المحاربين الشجعان للجيوش المغربية- كان من بينهم الوزراء ذوى الرأى ، وكان منهم المستشارون والصناع المهرة والجنود والتجار ، هذا إلى جانب المسائل الفقهية التى أثارها الوافدون الجدد إلى المغرب ، وإلى جهود الأندلسيين أنفسهم فى ترجمة العلوم الدينية. كل ذلك أسهم فى أن يلمع بريق الأندلس فى الشمال المغربى. والكتاب الذى نقدم له يبين الآثار المعمارية التى خلفها الموريسكيون فى المغرب والتى انعكست –دون شك- على الطراز المعمارى المغربى فيما بعد.
لا نستطيع أن نؤكد أن ترحيب أهل المغرب العربى بأولئك المسلمين المهاجرين كان ترحيبا بلا تحفظ، فقد كان القادمون الجدد يمثلون –فى نظر البعض- تهديدا للقمة العيش من ناحية، وكان المغاربة ينظرون إليهم بعين الشك أحيانا حين يرون أنهم يمارسون إسلاما مختلفا فى شكله عن الإسلام الذى عرفه الناس فى المغرب. وعليه فقد تعين على الموريسكيين أن يدافعوا عن أنفسهم ضد سكان البلاد الأصليين وضد البرتغاليين فى آن واحد.
وقد أدى انهماك المسلمين الغرناطيين فى المغرب على توفير متطلبات حياتهم والدفاع عن أنفسهم ، ضد البرتغاليين من ناحية وضد سكان البلاد الأصليين من ناحية أخرى، إلى نتائج منها اتجاه الوافدين الجدد إلى الجهاد البحرى (ومن هنا أهملوا بقية الأنشطة الاقتصادية كالزراعة والصناعة)، كما انحصر النشاط الأدبى فى كتابات دينية ضرورية.
ذكرنا أن الأندلسيين قد نقلوا إلى المغرب الطراز المعمارى للمدن والبيوت التى كانوا يقيمون فيها فى إسبانيا، وهذا أثر إيجابى. لكن الهجرة الموريسكية إلى المغرب كانت لها أيضا جوانب سلبية ترتبت عليها.
يشير المؤلف إلى تفكك دولة الخلافة فى الأندلس وما ترتب عليه من ضعف أدى فى النهاية إلى سقوط غرناطة الإسلامية، ويذكر كيف أن الصراعات الأهلية بين الغرناطيين أدت إلى ضياع نفوذهم فى الشمال المغربى ، كما أدت فى السابق إلى ضياع دولتهم فى إسبانيا.
يتحدث المؤلف عن طبقة العامة فى غرناطة والتى ظنت أن خلاصها من الظلم يكمن فى تغيير الحاكم ، وثبت أن الأمر لم يكن بهذه البساطة. هل يعيد التاريخ نفسه؟ انهارت المؤسسات فى غرناطة الإسلامية فسقطت الدولة فى نهاية الأمر. هل يكفّ المؤرخون العرب الحاليون عن اتهام أبى عبد الله الصغير بالخيانة؟
لماذا يتخصص باحث أسبانى مثل صديقنا الراحل غوثالبيس بوستو فى تاريخ المغرب العربى؟ المؤلف نفسه يجيب على هذا التساؤل فى أكثر من مناسبة: إن قراءة تاريخ ضفتى مضيق جبل طارق فى القرن السادس عشر يدل على أن تاريخهما لا يمكن فصله، وعليه فإن دراسة تاريخ المغرب العربى –من قبل الباحث الإسبانى- ليست من باب التعرف على الآخر، بل هى ضرورة للتعرف على الذات.
نلحظ فى الكتاب نقد الذات: يعيب المؤلف على المؤرخين الإسبان فى القرن السادس عشر عدم الاهتمام بمشكلة الإسبان المسلمين الذين عبروا المضيق واستقروا فى شمال إفريقيا. ونذكر هنا أن المستعرب الإسبانى سيرافين كالديرون فى القرن التاسع عشر كان قد نادى بدراسة الثقافة الموريسكية فى الشمال المغربى للتعرف على تاريخ إسبانيا بشكل كامل، وللتعرف على الجار المغربى.
يلفت النظر فى كتابات المؤرخين الإسبان رجوعهم إلى المصادر العربية كابن الخطيب وابن خلدون ، بالإضافة إلى ما خلّفه الكتّاب الإسبان المعاصرون لهما. وقد اعتمد صديقنا الراحل غوثالبيس بوستو على وثائق كتبها مؤرخون عرب ، لكنه اعتمد كذلك على بعض ما كتبه مؤرخون إسبان فى القرن السادس عشر ، وهو يعلم أنها كتابات دعائية لا يمكن الاعتداد بها كثيرا، ومن ثم كان عليه أن يوضح ذلك للقارئ غير المتخصص. على أننا لانعفى المؤرخ العربى المعاصر للأحداث من المسئولية ، فمؤلف الكتاب يلجأ إلى المصادر الإسبانية وحدها عندما لا يجد بديلا عربيا. إن تقصيرنا –فى الماضى والحاضر- فى كتابة التاريخ جعل الرؤية الغربية هى السائدة. هل من حقنا أن نلوم الآخرين إن هم اعتمدوا على كتابات أوربية فى حالة عدم وجود مصادر عربية؟
الكتاب يتضمن فصلا عن اليهود الذين طردوا من إسبانيا وأقاموا فى المغرب. من الطبيعى أن تنشأ علاقة طيبة بين المسلمين واليهود فى المنفى ، فالمجموعتان تربطهما علاقة الوطن المفقود وعلاقة اللغة الإسبانية التى كانوا يتحدثونها. إن الدور البارز الذى لعبه اليهود كتجار ووسطاء فى المفاوضات التى كانت تجرى بين المسلمين والمسيحيين لابد أن يدرس بعناية. مبلغ علمنا أن عدد اليهود الذين رحلوا إلى المغرب كان ضئيلا إذا ما قورن بأعداد المسلمين الذين اختاروا نفس المكان كوطن بديل. ورغم قلة عدد اليهود إلا أنهم قاموا بدور بالغ الأهمية فى المجال الاقتصادى وفى مجال السياسة فى حوض البحر المتوسط. إن أهمية أمة ما لا تكمن فى عددها وإنما فى إيجابية مواطنيها واجتهادهم فى تحقيق أهدافها.
يتبين من الكتاب أيضا الدور البارز الذى لعبه اليهود –على قلة عددهم- فى مفاوضات تحرير الأسرى الإسبان ، وربما يكون من المناسب أن تخصص دراسة مستقلة للدور الذى لعبه اليهود فى عالمنا العربى الإسلامى بعد طردهم من إسبانيا عام 1492.
قام اليهود فى بعض الأحيان بدور بارز فى الترجمة ، ولعلهم بذلك عرفوا كثيرا من الأسرار واستغلوها لصالحهم ، ونتساءل الآن- بعد مرور خمسة قرون على تلك الأحداث- هل عجز حكام المغرب آنذاك عن العثور على مترجم كفء من بين الموريسكيين؟
الأمر الذى يعنينا فيما يتعلق باليهود أن مؤلف الكتاب يعترف أنهم عاشوا فى المغرب فى جو من الحرية والتسامح لم يتمتعوا بهما فى إسبانيا الكاثوليكية.
على أن اليهود لم يصلوا إلى المغرب ابتداء من عام 1492 حين طردتهم أسبانيا منها ، بل تدل الوثائق على تواجدهم فى بلاد المسلمين قبل ذلك التاريخ بكثير وتوليهم مناصب مهمة وإساءتهم إلى من أحسن إليهم. أشير هنا إلى ما يذكره الدكتور عيسى الحريرى -نقلا عن السلاوى: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى- فى كتابه عن دولة بنى مرين (ص. 186) وكيف أن يهوديا تولى الوزارة وكان سببا رئيسيا فى انهيار دولة بنى مرين:
واضطرم حقد السلطان على رعيته، فسولت له نفسه تعيين اثنين من اليهود هما هارون وشاويل فى منصب الوزارة تأديبا لرعيته وتشفيا منهم. وأثار هذا التصرف كافة طوائف الشعب، لأنه تصرف يمس عواطفه الدينية ، وفقد السلطان عبد الحق تأييد شعبه خاصة وعامة ، ومما أزكى حقد الشعب على السلطان أن الوزيرين اليهوديين شرعا فى "أخذ أهل فاس بالضرب والمصادرة على الأموال واعتز اليهود بالمدينة وتحكموا فى الأشراف والفقهاء فمن دونهم، وكان اليهودى هارون قد ولى على شرطته رجلا يقال لع الحسين لا يألو جهدا فى العسف واستلاب الأموال ، واستمر الحال على ذلك والناس فى شدة".....واقتربت نهاية السلطان ومعه نهاية الدولة(المرينية)، ففى أحد الأيام قبض الوزير اليهودى على امرأة شريفة من البليدة –من أحياء فاس- "فأنحى عليها بالضرب ولما ألهبتها السياط جعلت تتوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحمى اليهودى وكاد يتميز غيظا من سماع ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر بالإبلاغ فى عقابها" وانتشر الخبر فى المدينة فأسرع الناس إلى الاجتماع عند خطيب مسجد القرويين واتفقوا على خلع السلطان عبد الحق والبيعة للشريف أبى عبد الله الحفيد ، وهو محمد بن على عمران الإدريسى من أهل البيت وبايعوه فى السابع عشر من رمضان (869ه/1465م) , وهكذا انتهت آخر صفحة من صفحات الدولة المرينية المشرقة بعد أن عاشت فى بلاد المغرب بعطائها السياسى والحضارى الغزير زهاء مائتى عام.

Gamal Abdel Rahman
Admin

عدد المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 23/09/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://estudiosmoriscos.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى